عمر السهروردي
137
عوارف المعارف
سمعت بعض المشايخ يحكي عن بعضهم أنه قال : أريد إقبال الخلق علىّ لا أني أبلغ نفسي حظها من الهوى فإني لا أبالي أقبلوا أو أدبروا . ولكن لكون إقبال الخلق علامة تدل على صحة الحال ، فإذا ابتلى المريد بذلك لا يأمن نفسه أن تدخل عليه بطريق الركون إلى الخلق ، وربما يفتح عليه باب من الرفق ، وتدخل النفس عليه من طريق البر والدخول في الأسباب المحمودة ، وتريه فيه وجه المصلحة والفضيلة في خدمة عباد اللّه وبذل الموجود ، ولا تزال النفس به والشيطان حتى يجراه إلى السكون إلى الأسباب ، واستجلاء قبول الخلق ، وربما قويا عليه فجراه إلى التصنع والتعمل ويتسع الخرق على الراقع . وسمعت أن بعض الصالحين قال لمريد له : أنت الآن وصلت إلى مقام لا يدخل عليك الشيطان من طريق الشر ، ولكن يدخل عليك من طريق الخير . وهذا مزلة عظيمة للأقدام ، فاللّه تعالى يدرك الصادق إذا ابتلي بشيء من ذلك ، ويزعجه بالعناية السابقة ، والمعونة اللاحقة إلى السفر ، فيفارق المعارف والموضع الذي فتح عليه هذا الباب فيه ، ويتجرد للّه تعالى بالخروج إلى السفر ، وهذا من أحسن المقاصد في الأسفار للصادقين . فهذه جمل المقاصد المطلوبة للمشايخ في بداياتهم ، ما عدا الحج ، والغزو ، وزيارة بيت المقدس . وقد نقل أن ابن عمر خرج من المدينة قاصدا إلى بيت المقدس ، وصلى فيه الصلوات الخمس ، ثم أسرع راجعا إلى المدينة من الغد . ثم إذ من اللّه على الصادق بأحكام أمور بدايته ، قلبه في الأسفار ومنحه الحظ من الاعتبار ، وأخذ نصيبه من العلم قدر حاجته ، واستفاد من مجاورة الصالحين ، وانتقش في قلبه فوائد النظر إلى حال المتقين ، وتعطر باطنه باستنشاق عرف معارف المقربين ، وتحصن بحماية نظر أهل اللّه وخاصته ،